استنساخ الأزهر: هل هو ممكن؟
استنساخ الأزهر: هل هو ممكن؟
بقلم: محمد حافظ سوديرمان، ليسانس (مدير ساحة الدارية 24/25 وعضو مجلس الشورى لساحة الدارية)
إنَّ فكرة معالي وزير الشؤون الدينية في جمهورية إندونيسيا، الأستاذ الدكتور الحاج نصر الدين عمر، حول إمكانية افتتاح فرع لجامعة الأزهر في إندونيسيا، فكرةٌ جديرة بالتأمل والدراسة بصورة أعمق. ومن بين أهداف هذه الفكرة أن لا يضطر الطلاب من إندونيسيا ومنطقة جنوب شرق آسيا بعد اليوم إلى قطع مسافات بعيدة إلى مصر للحصول على التعليم في الأزهر.
ومن الناحية العملية، فإن هذه الفكرة تحمل بلا شك العديد من الفوائد. إذ يصبح الوصول إلى التعليم الأزهري أكثر سهولة، ويمكن تقليل التكاليف والمسافات، كما يمكن أن تزداد قوة التعاون المؤسسي بين إندونيسيا ومصر. ولكن وراء هذه الفكرة يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل يمكن استنساخ الأزهر؟
—
الأزهر ليس مجرد مؤسسة
إذا فُهِم الأزهر على أنه مجرد جامعة، فإن كثيرًا من جوانبه يمكن نظريًا نقلها وإعادة تطبيقها. فالمنهج الدراسي يمكن نقله، والأساتذة يمكن استقدامهم، والكتب يمكن توفيرها، والنظام الأكاديمي يمكن تكييفه، بل حتى المباني والمرافق التعليمية يمكن إنشاؤها بصورة مشابهة.
ولكن هل يكفي كل ذلك لإيجاد الأزهر؟ هنا تصبح القضية أكثر تعقيدًا. فالأزهر الذي نعرفه اليوم لم ينشأ من مجرد منهج دراسي. بل قام على سلسلة طويلة من انتقال العلم وتوارثه. ففيه العلماء، والمشايخ، والحلقات العلمية، وكتب التراث، وتقليد التلقي والمشافهة، والمناقشات العلمية، والأسانيد العلمية، والبيئة التي سمحت عبر قرون طويلة بأن لا يُقرأ العلم فقط، بل يُورَّث من شيخ إلى تلميذ.
إن نسخ مناهج الأزهر لا يؤدي بالضرورة إلى إنتاج الأزهر. وكذلك الأمر إذا أخذنا قائمة الكتب التي يعتمدها العلماء ثم قمنا بتدريسها في مؤسسة ما؛ فالكتب قد تكون نفسها، ولكن التقليد العلمي الذي يحيي هذه الكتب قد لا يكون هو نفسه.
—
ما يصعب استنساخه هو البيئة العلمية
تكمن إحدى نقاط قوة التقليد العلمي الأزهري في وجود البيئة العلمية المتكاملة. فطالب العلم لا يحصل على العلم داخل قاعة الدرس فقط، بل يستطيع حضور مجالس أحد الشيوخ، وقراءة الكتب معه بطريقة التلقي، وطرح الأسئلة حول المسائل التي لم يفهمها، والاستماع إلى اختلاف العلماء، ومشاهدة طريقة العالم في قراءة النصوص وشرحها، والتفاعل مع طلاب العلم من خلفيات متعددة.
وفي مثل هذه البيئة لا يقتصر العلم على مجرد نقل المعلومات، بل توجد عملية بناء لطريقة التفكير، وطريقة قراءة الكتب، وطريقة فهم الخلاف، وطريقة الحوار، بل وحتى طريقة التعامل مع العلم والعلماء.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل التلقي مهمًّا؛ لأن العلم ليس فقط فيما يعرفه الإنسان، بل في كيفية معرفته، وممن أخذه، وكيف فُهِم، وكيف وُضع في البناء العلمي العام.
—
التلقي ليس مجرد طريقة للتعلم
في هذا السياق، لا يصح فهم التلقي على أنه مجرد أسلوب تعليمي يمكن استبداله بسهولة بطرق أخرى للتدريس.
فالتلقي يحمل أبعادًا أعمق من ذلك. فعندما يجلس الطالب أمام شيخه ويقرأ كتابًا، فإنه لا يتلقى محتوى النص فقط، بل يتعلم أيضًا كيف يفهم شيخه العبارات، وكيف يختار القول الراجح، وكيف يشرح المصطلحات، وكيف يربط بين موضوع وآخر، وكيف يتعامل مع اختلاف العلماء.
وهنا يظهر الفرق بين مجرد القراءة (Reading) والتعلم الحقيقي (Learning). فالقراءة تجعل الإنسان أمام النص، أما التلقي فيجعله أمام التقليد العلمي الذي أنتج ذلك النص.
—
الأزهر لا يعلِّم الكتب فقط
تخيل أن شخصًا أخذ الكتب التي تُدرَّس في الأزهر إلى مكان جديد، ووضع منهجًا دراسيًّا قائمًا على تلك الكتب، وقام بتدريسها بالنظام الجامعي نفسه. فهل بذلك وُلد الأزهر؟ ليس بالضرورة، لأن الكتب ليست إلا جزءًا واحدًا من منظومة التراث.
فهناك طريقة قراءة الكتب، وطريقة فهم العبارات، والانضباط في دراسة كل علم، والعلاقة بين العلوم المختلفة، والأدب مع العلماء، والثقافة العلمية، وتعلم الاختلاف بين العلماء دون أن يؤدي ذلك إلى التعصب، والخبرة الطويلة التي تنتقل من جيل إلى جيل.
ولهذا فإن الكتاب نفسه قد لا ينتج النتيجة نفسها إذا دُرِّس في بيئة مختلفة. فالكتاب الواحد يمكن العثور عليه بصيغة PDF في أي مكان. ويمكن مشاهدة تسجيلات الدروس من أي مكان. بل إن الإنسان اليوم، مع تطور الذكاء الاصطناعي، يستطيع الحصول على شرح حول معظم الموضوعات خلال ثوانٍ معدودة.
—
إذن، هل لا يمكن استنساخ الأزهر؟
إذا كان المقصود هو إنشاء مؤسسة إسلامية تُعنى بعلوم التراث، وتعتمد طريقة التلقي، وتستضيف العلماء، وتبني منهجًا علميًّا متدرجًا، وتوفر بيئة علمية، فالجواب بالتأكيد: نعم، يمكن ذلك. بل إن الحاجة إلى وجود مثل هذه المؤسسات في أماكن متعددة أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
أما إذا كان المقصود هو نقل الأزهر كاملًا بكل تاريخه، وعلمائه، وتراثه، وأسانيده، وثقافته، وبيئته التي تشكلت عبر مئات السنين، فالجواب مختلف.
—
البناء لا مجرد التقليد
وهنا يكمن التحدي الحقيقي. فبناء مركز علمي قائم على التراث خارج مصر لا ينبغي أن يكون هدفه إنشاء نسخة حرفية من الأزهر؛ لأن لكل مكان تاريخه، ومجتمعه، ولغته، واحتياجاته، وقضاياه المختلفة.
إن الذي ينبغي نقله هو روح المنهج العلمي: احترام التراث، والقرب من العلماء، والتلقي، والدقة في قراءة النصوص، والتمكن العميق من العلوم، والأدب في طلب العلم، واستمرار انتقال المعرفة.
وبعد ذلك، ينبغي أن تترسخ هذه التقاليد في المكان الجديد. فقد يختلف الشكل، وقد يختلف المنهج، بل قد يختلف النظام المؤسسي أيضًا. ولكن ما دامت الأصول العلمية محفوظة، فإن اختلاف الصورة ليس مشكلة. لأن الهدف ليس إنشاء نسخة من الأزهر، وإنما بناء مراكز علمية تمتلك العمق، والسند، والتقاليد، والروح العلمية.
وفي النهاية، فإن سؤال: “استنساخ الأزهر: هل هو ممكن؟” ربما يحتاج إلى أن يتحول إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي نريد أن نستنسخه من الأزهر؟
فإذا كان ما نريد تقليده هو مبانيه، أو مناهجه، أو اسمه الكبير، فربما يكون ذلك أمرًا سهلًا نسبيًّا. أما إذا كان ما نريد إحياءه هو تقليده العلمي، فإن هذا العمل يحتاج إلى وقت طويل؛ لأن التقليد لا يُبنى في ندوة واحدة، ولا في برنامج واحد، ولا في جيل واحد. بل يحتاج إلى شيخ يورث، وطالب يتلقى، وجيل قادم يحمل الرسالة ويواصل المسيرة.
لم يصبح الأزهر عظيمًا لأنه أُسِّس فقط، وإنما لأنه ظل يورِّث العلم ويحفظ استمراره. ولذلك ربما لا ينبغي أن نسأل: كيف نصنع “أزهرًا” في مكاننا؟ بل السؤال الأهم هو:
“ما الذي ينبغي أن نغرسه اليوم حتى يكون لمكاننا بعد مائة عام تقليد علمي يستحق أن يُورَّث؟”
المحرر: محمد خليل جبران
